محمد حسين الذهبي
426
التفسير والمفسرون
أفهام العامة ، عجزت أفهامهم عن إدراكها ، فرمز إليها النبي بما يمكنهم أن يدركوه ، وأخفى عنهم ما يعجز عن إدراكه عامة الناس إلا الخواص منهم ، وهو يقول : ( إن المشترط على النبي أن يكون كلامه رمزا ، وألفاظه إيماء ، وكما يذكر أفلاطون في كتاب النواميس : إن من لم يقف على معاني رموز الرسل لم ينل الملكوت الإلهى ، وكذلك أجلة فلاسفة يونان وأنبياؤهم كانوا يستعملون في كتبهم الرموز والإشارات ، التي حشوا فيها أسرارهم ، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون . . وما كان يمكن النبي محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يوقف على العلم أعرابيا جافيا ، ولا سيما البشر كلهم ، إذ كان مبعوثا إليهم كلهم ) اه « 1 » . وعلى هذا الأساس نظر ابن سينا إلى نصوص القرآن كرموز لا يعرف حقيقتها إلا الخواص أمثاله ، ففسرها تفسيرا حكم فيه ما لديه من نظريات فلسفية ، فكان في عمله هذا فاشلا ، وبعيدا عن حقيقة الدين ، وروح القرآن الكريم . وإليك بعض ما قاله ابن سينا في بعض نصوص القرآن الكريم ، لتقف على مقدار تهافته ، وبعده عن حقائق القرآن الثابتة . عرض ابن سينا لشرح قوله تعالى في الآية ( 17 ) من سورة الحاقة « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » ففسر العرش بأنه الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك ، وفسر الملائكة الثمانية التي تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع وإليك عبارته بنصها : قال : ( وأما ما بلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ربه عز وجل من قوله « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » ( فنقول ) إن الكلام المستفيض في استواء اللّه تعالى على العرش من أوضاعه : أن العرش نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية ، وتدعى المشبهة من المتشرعين أن اللّه تعالى على العرش لا على سبيل حلول . هذا ، وأما في كلام الفلسفي فإنهم جعلوا نهاية الموجودات الجسمانية الفلك التاسع
--> ( 1 ) رسائل ابن سينا ص 124 - 125 . مطبعة هندية سنة 1908 م